الثلاثاء، أغسطس 7

فورين بوليسي": هل تعزز الشركات البترولية توجه كردستان العراق نحو إعلان دولة مستقلة؟

بعد أقل من سنة على رحيل القوات الأميركية من العراق، بدأت بغداد تفقد سيطرتها على كردستان التي تطمح إلى كسب استقلالها، بمعنى أنها قد تفقد سيطرتها على قطاع النفط وعائداته في المنطقة الشمالية. لكن ما هو سلاح كردستان السري؟ تشعر شركات النفط الأجنبية بالغضب بسبب بخل بغداد لذا بدأت تميل إلى المصطلحات الأكثر ليبرالية التي يستعملها الأكراد في عقود النفط.

أصبحت هذه الشركات بمثابة طابور خامس نشأ بشكل عفوي لتعزيز مسيرة كردستان نحو الاستقلالية الاقتصادية، ففي 31 يوليو، أصبحت شركة “توتال” (Total) الفرنسية ثالث أهم شركة نفط تقطع علاقاتها مع بغداد من خلال توقيع اتفاق نفطي جانبي مع كردستان.

وتعتزم فرض سيطرة كاملة على عائدات البترول الهائلة في البلاد، لذا تمنع شركات النفط من التعامل مباشرةً مع كردستان وتطلب منها إطلاق المشاريع عن طريق وزارة النفط وشحن نفطها عبر خطوط الأنابيب التي تسيطر عليها بغداد، لكن يبدو أن شركات “إكسون موبيل” (ExxonMobil) و”شيفرون” (Chevron) و"توتال" تتجاهل الآن مطالب بغداد وتجازف بذلك بصفقاتها النفطية في جنوب العراق.

من وجهة نظر تلك الشركات، فإنه حتى لو كان احتياطي النفط في كردستان أدنى نسبياً، تتفوق الإيجابيات المتوقعة هناك على احتمال فقدان القدرة على الوصول إلى موارد العراق وفق ما قاله مديرو الشركات الذين قابلتهم.

ستتصاعد الضغوط الآن على بغداد كي تكبح "تمرد" شركات النفط. إنه تحدٍّ جديد في وجه الحكومة العراقية التي تتخبط أصلاً لمواجهة العنف المتزايد وتراجع عائدات النفط بسبب انخفاض الأسعار العالمية.

شهد التاريخ سيطرة الشركات على دول عدة (هذا ما حصل مثلاً نتيجة نشاطات الشركة المتحدة للفاكهة “United Fruit Company” في أميركا اللاتينية). لكن إذا استمرت هذه النزعة في كردستان، فستكون المرة الأولى التي تصبح فيها شركات النفط الكرف الفاعل الرئيس في بلد بدأ ينتزع استقلاله فعليا. وسيكون الأمر متروكا لحكومة إقليم كردستان لضمان أن لا يتم ابتلاعها من قبل تلك الشركات، كما حدث في بعض دول أميركا الوسطى والجنوبية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ظاهرياً، قد يبدو قرار الشركات بتجاهل بغداد غير منطقي، إذ يُعتبر العراق جائزة مغرية في عالم النفط، حيث يملك حوالي 148 مليار برميل من احتياطي النفط المثبت، وهو ثاني أكبر مخزون تقليدي في العالم. في المقابل، تدعي حكومة إقليم كردستان أنها تملك 45 مليار برميل نفط على أراضيها أيضاً.

بعد سقوط صدام حسين في عام 2003، سارعت شركات النفط من أنحاء العالم إلى إعادة تشغيل الحقول القديمة والشائبة وحفر حقول جديدة، لكن فرضت بغداد شروطاً مشددة، فكانت توقّع حصراً على عقود الخدمات القليلة الكلفة التي تحوّل الناشطين في أماكن تحمل مجازفات كبرى وتدرّ عائدات مرتفعة إلى عاملين أجراء عاديين.

وإلى وقت قريب، أبدت شركات النفط العالمية استياءها من تلك الشروط، ولكنها تابعت التعامل مع بغداد طمعا في عقد اتفاقيات تضمن المشاركة في الإنتاج في المرحلة اللاحقة. لكن اليوم ازداد التذمر وما عاد يخفى على الأطراف المعنية.

وقد أظهرت جولة رابعة من المزادات العلنية على الأملاك النفطية في شهر مايو أن بغداد لا تنوي التعامل بسخاء أكبر وأن الشركات سئمت فعلياً من هذا الوضع..

في شهر أكتوبر، أظهرت شركة "إكسون" المحافِظة بطبيعتها أول مؤشرات التمرد من خلال توقيع اتفاق مع كردستان مع أنها كانت قد عقدت اتفاقاً لإنتاج النفط في حقل غرب القرنة في العراق.

كان ذلك الرهان يحمل مجازفات خطيرة: في نهاية المطاف، يضمّ حقل غرب القرنة حوالي 8 مليارات برميل نفط وقد برز احتمال واضح بأن تلغي بغداد الصفقة لمعاقبة شركة “إكسون” بسبب تعاملها مع الأكراد.

اليوم، يساهم قرار شركة "توتال" (أي شراء حصة بنسبة 35% في حقلين في كردستان) في إثارة الهواجس من التوجه إلى التعامل مباشرة مع حكومة إقليم كردستان، في حين لم ترد شركة "توتال" على رسالة إلكترونية تطلب منها التعليق على هذا الموضوع.

لكن قوبل تمرد الشركات ببعض العقوبات: أُقصيت شركة "إكسون" من أحدث مزاد علني ووُضعت شركة "شيفرون" التي لا تملك أي صفقة في الجنوب على اللائحة السوداء رسمياً بما يمنعها من إبرام أي عقود مستقبلية، لكن لا تبدو الشركات منزعجة من هذا الوضع مطلقاً.

تحدث مسؤول في إحدى الشركات شرط عدم الإفصاح عن هويته وقال: "نفهم تماماً أننا إذا أبرمنا عقداً في الشمال، فسنقضي على فرصنا في الجنوب، لكن السؤال كما يلي: هل استنزفنا جميع خياراتنا للحصول على صفقة في الجنوب وفق شروط قد نعتبرها مقبولة؟".

بحسب رأي ذلك المسؤول، لا شك في أن الشركات التي توشك على المغادرة ستجيب عن ذلك السؤال بالإيجاب: "أظن أن الوضع يتطور لأن عدداً كبيراً من الشركات يسعى إلى إعادة التفاوض حول شروط العقود". أوضح المسؤول: "الشروط في الشمال أفضل بكثير، تحصل الحكومة على حصة معينة، لكن كلما تحسن الأداء ترتفع حصة الشركات وتتحسن الشروط، كما أن الظروف العامة في كردستان أفضل بكثير منها في بغداد. نسافر إلى هناك عبر مطار معاصر جداً وعملي، نجد هناك أيضاً فنادق جيدة وبنى تحتية حديثة".

عندما تندمج صفقات النفط مع الخطط التي وضعتها السلطات الكردية لبناء خطوط أنابيب لتصدير النفط والغاز الطبيعي بشكل مستقل انطلاقاً من كردستان مع تجنب المرور بالمناطق العربية في العراق، فإنها توحي بوجود كيان تجاري صلب ومستقل عن المنطقة المجاورة. قد يعتبر البعض أن هذا التوجه هو جزء أساسي من الأحجية التي تهدف إلى تحقيق حلم الأكراد الوطني القديم: قيام دولة خاصة بهم.

خلال محادثة على موقع "تويتر"، قال روبن ميلز، عالم جيولوجيا سابق في شركة “شيل” (Shell) ومؤلف كتاب "أسطورة أزمة النفط" (The Myth of the Oil Crisis) ومستشار خاص في العراق، إن الأنباء عن شركة "توتال" تشكل "ضربة كبيرة" لبغداد. وقد بدأت شركة "توتال" من جهتها تنشط في حقول أصغر في كردستان (لكنها ليست صفقة مربحة مقابل مجازفتها ببغداد)، لكن ربما لم تعد شركة "توتال" ترى أي مخاطرة في تعاملها مع بغداد.

هل تستطيع الحكومة العراقية المركزية المتخبطة إقناع شركات النفط المتمردة بالعودة عن قراراتها؟ على موقع “تويتر”، كتب باتريك أوزغود، نائب رئيس تحرير مجلة Oil & Gas Middle East، أن بغداد قد ترد على ما يحدث من خلال بيع حقول "توتال" سريعا إلى شركة “بتروتشاينا” (Petrochina)، وهي الفرع التجاري لشركة البترول الوطنية الصينية التي تسيطر عليها الدولة.

لكن حتى هذا الإجراء قد لا يعالج مشكلة بغداد الأساسية. قال ميلز: "ليس من الذكاء أن تعتمد بغداد لهذه الدرجة على شركة "شيل" والشركة البريطانية للبتروكيماويات (BP) وعلى الروس والصينيين".

ومهما يكن، تبرز بعض الرسائل التي تتعارض مع الأفكار التقليدية في هذه المواجهة: أن شركات النفط لن تدفع أي ثمن للوصول إلى أكبر الحقول في العالم، بل إنها ستسعى إلى إيجاد مراعٍ أكثر اخضراراً.

ولا يمكن احتجاز النفط إلى ما لا نهاية بل إنه سيجد السوق المناسبة في نهاية المطاف.

وفي بعض الأحيان، قد تتشكل دولة جديدة من دون إطلاق رصاصة واحدة أو من دون نزول ولو محتج واحد إلى الشارع!
المصدر: العصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق