في مقابلة اجرتها صحيفة 'واشنطن بوست' العام الماضي مع العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني سألته عن رأيه في الاصوات التي تقول انه لم يبق من عمر النظام سوى ايام او اشهر او سنة، فكانت اجابته ان لا احد يعرف ماذا سيحدث في سورية، فالنظام يبدو قويا مما يعني ان العنف سيستمر لمدة طويلة، ثم اضاف معلقا على من يتكهن حول حتمية السقوط قائلا ان الجميع يعرف انه عندما يتم استخدام العنف فلن تكون النهاية جيدة وبعدها يمكن لمن يريد التحدي القول انه سيسقط في يوم او اسبوع او ستة اشهر وما الى ذلك.
منذ تصريحات الملك الاردني لم يتوقف العنف، وحدثت مجازر ولم يعد السوريون يعدون القتلى بالعشرات بل بالمئات، فيما ظل النظام محتفظا بتماسك على الجبهة السياسية نتيجة للدعم الروسي له، ولم يحدث لجبهته اي تصدع سوى بعض الانشقاقات، ففي العام الماضي لم يهرب من جيش الاسد سوى الجنود والضباط الصغار، لكن الفترة الاخيرة اظهرت عمليات انشقاقات منتظمة من بينها ضباط من الرتب العليا، وتلقى النظام ضربته الاولى عندما انشق او خرج بمحض ارادته (مناف طلاس) الذي يحمل رتبة عميد الاسبوع الماضي. وجاءت الضربة الثانية يوم الاربعاء عندما اعلن سفير الاسد في بغداد (نواف الفارس) عن انشقاقه ووجه رسالة للجيش واعضاء حزب البعث والشعب للثورة على النظام، الفارس هو اكبر دبلوماسي ينشق عن النظام فمن تخلوا عنه في السابق كانوا موظفين من الدرجة الثانية او سفراء سابقين.
كل هذه الاحداث تزامنت مع فشل المعارضة اقناع روسيا بتغيير موقفها من النظام، فيما استمر كوفي عنان بمحاولاته، حيث يحمل مبادرته من عاصمة الى اخرى كي يبيعها، وادخل فيها (ايران) اللاعب الرئيسي مع روسيا في سورية. المعارضة لم تكن قادرة على اقناع روسيا التي ردت بارسال بوارج حربية الى ميناء طرطوس، وعنان لا يزال يحاول وينتظر قرار مجلس الامن الجديد. كل هذا لا يعني ان الوقت يلعب في صالح النظام ففي كل يوم يمر تزداد عزلته.
رئيس قبيلة :
وعليه قرأ (جوليان بورغر) في صحيفة 'الغارديان' في انشقاق الفارس وهو ثاني مسؤول سني كبير على أنه اشارة على زيادة عزلة 'النخبة' الرئيسية العلوية التي يعتمد عليها الاسد في بقائه.
وقال ان الفارس مثل طلاس كان على علاقة وثيقة بعائلة الاسد والمؤسسة الامنية العلوية، ومن هنا فتخلي السنة عن النظام سيترك خلفه اقلية علوية مسلحة حتى الاسنان، ظهرها للجدار تعرف انها ستقاتل معركة حياة او موت على حد تعبيره.
ويضيف ان انشقاق فارس مهم لان الرجل قام بمهام عدة جعلته يحظى بثقة النظام الذي ارسله عام 2009 الى بغداد لكي يكون اول سفير لدمشق في بغداد بعد عقود من العلاقات المتوترة، ويضاف الى المواقع الهامة التي شغلها في حزب البعث فالفارس هو عميد قبيلة العقيدات (العكيدات) التي تمتد مضاربها على طول الحدود السورية ـ العراقية على جانب نهر الفرات.
ويرى مراقبون ان هذه القبيلة وغيرها من القبائل تحظى بقوة كبيرة ويعتمد عليها النظام في بقائه مما يعني ان انشقاق الفارس قد يكون اهم من خروج طلاس بسبب العامل القبلي.
وتوقع الكاتب ان يواجه النظام جبهة جديدة في الشرق خاصة ان الاكراد ظلوا حتى الآن يقفون على الحياد خوفا من مواجهة مصير ما حدث للشيعة في الجنوب العراقي عام 1991 عندما انتفضوا على نظام صدام حسين فارسل اليهم الحرس الجمهوري. ويضيف قائلا ان خروج الفارس على النظام يرفع من معنويات المعارضة التي عولت كثيرا على العائلات السنية المرتبطة بالنظام وان تحذو حذو طلاس. ويقول ان ما يمنع المسؤولين السنة من الانشقاق هو خوفهم على عائلاتهم، ولم يهرب طلاس الا بعد ان خرجت عائلته الى فرنسا ودبي. وتقول تقارير اخرى ان القيادات السنية في دمشق يتم التحقيق معها ومصادرة جوازات سفرها لمنعها من الخروج.
اين مناف؟
هذا حال السفير السوري الذي القى بيان انشقاقه فماذا عن مناف طلاس الذي لم يظهر للعيان حتى الآن. فبعد اسبوع لم يره احد ولم يحاول الاتصال بالمعارضة مما يطرح اسئلة حول نوايا ودوافع هروبه من سورية وذلك حسبما نقلت صحيفة 'نيويورك تايمز' عن اعضاء بارزين في المعارضة. وادى عدم معرفة مكان اقامته الى تراجع آمال المعارضة التي بنت آمالا كبيرة حول الدور الممكن الذي يمكن ان يلعبه، اضافة الى ان الدوائر الغربية من واشنطن الى باريس اعتبرت خروجه بداية شرخ داخل النظام وانه ضربة قوية للاسد.
كل هذا فالغموض الذي يكتنف خروجه ومكان اقامته ادى الى انتشار الشائعات، فقد اكد وزير الخارجية الفرنسي معرفته بمكان وجوده، فيما اكد مسؤولون اتراك انه ليست لديهم معرفة بمكان اقامة طلاس، لكن مقربين من العائلة يقولون ان الجنرال سيصدر بيانا في الاسبوع المقبل.
وتقول الصحيفة ان الصحافيين منعوا من البقاء امام قصر شقيقته ناهد عجة مطلقة الثري السعودي اكرم عجة في باريس، وقال سكرتيرها انها ليست موجودة ولا يمكن الاتصال بها.
ومما اضاف الى الغموض ما تحدثت عنه قناة 'برس تي في' الايرانية من ان العماد مصطفى طلاس والد الجنرال قد شجب خروج ابنه في مقابلة مع قناة فرانس - 2 وهو وما نفته وقالت ان الوالد لم يظهر في اي من برامجها. ونقل عن بسمة قضماني قولها انها لا تعتقد انضمام الجنرال للمعارضة معبرة عن املها في اتخاذه قرارا حاسما خاصة انه خاطر بحياته بالانشقاق عن النظام. لكن اخرين لديهم تحليل مختلف عن تحليل المعارضة حيث اعتبروا خروجه عاديا، فقد نقلت الصحيفة عن محللة في كلية سانت انتوني ـ جامعة اوكسفورد، شارمين نارواني قولها ان وصف خروج طلاس بالانشقاق ما هو الا محض 'دعاية اعلامية'، وانه خرج بمحض ارادته خاصة انه لم يعد فاعلا في النظام وهمشته المؤسسة بسبب نقده لها. وقالت ان النظام لم يحاول منع مناف من الخروج، فالى ماذا يشير هذا؟
واضافت انه قد يكون غادر سورية لكن لا يعني انه انضم للطرف الاخر.
مصاعب الارياف:
بعيدا عن الانشقاقات فاخبار الثوار تراجعت في الصحافة الغربية نظرا لتأثرها بالمصاعب الاقتصادية وتراجع شحنات السلاح. ففي تقرير كتبه مارتن شولف لـ'الغارديان' من دارة عزة في ريف حلب اشار فيه الى الازمة الاقتصادية التي اثرت على ابناء الارياف والمناطق التي تعاني من قمع وقصف الجيش السوري، ونقل التقرير معاناة اهلها حيث لا يجدون الوقود اللازم للطبخ، ويعتمدون على الاخشاب واغصان الاشجار، فيما لم يتلق معظم العاملين في الحكومة رواتبهم منذ العام الماضي ولا يستطيعون الحصول على الحاجيات الرئيسيةـ من زيت للطبخ فيما استعاض الناس عن اللحم بالبيض والبطاطا، وتعتمد السيارات القليلة التي تتحرك في القرية على البنزين المغشوش، لان سعر الوقود المهرب زاد عشرة اضعاف عن ما كان عليه قبل الثورة.
ويقول ان الوضع نفسه في ريف الشمال السوري فحصار البلدات والطرق الخطرة ادى الى توقف حركة التجارة، كما ان معظم القرى باتت مهجورة بعد ان رحل سكانها بسبب القصف ولم يبق فيها الا المقاتلون.
مقر القيادة:
وفي مقر المقاتلين في دارة عزة، الذي كان قاعة للافراح التقى عدد من المقاتلين ومعظمهم طلاب في جامعة حلب، ويعتقدون انهم لن يعودوا اليها لان الجامعة ليست اهم من الثورة كما يقول محمود. ويقولون انهم لم يذهبوا للامتحانات لانهم يضحون بمستقبلهم الجامعي من اجل الثورة.
ويقولون ان بعض اساتذهم من الموالين للنظام يحملون السلاح، فيما يقف الشبيحة على بوابات الجامعة مع عملاء من الاستخبارات الجوية ويلتقطون من يعتقدون انه مع المتظاهرين واحيانا يطلبون من البنات اللحاق بهم ويأخذوهن الى اماكن مجهولة. ويقول مقاتل واسمه هيثم انهم القوا القبض عليه واطفأوا عقب سجائرهم في ذراعه ولم ينقذه منهم سوى الطالبات في الجامعة، وقد اظهرت صور على الهواتف النقالة طالبات الجامعة وهن يحاولن تخليص طالب من قبضة الشبيحة، وقد حدث هذا في شهر شباط (فبراير) مما ادى الى اعطاء دفعة للشباب في حربهم الاستنزافية ضد النظام، لكن الوضع في الجامعة لا يزال ملتهبا حيث يتواجد الامن والشبيحة في الجامعة مما ادى الى توقف الدراسة في بعض الكليات. ويقول المقاتلون ان نسبة 60 بالمئة من الطلاب والمحاضرين هم مع الثورة، لكن معظمهم ملتزم بالصمت الان ويضيف انه لو عاد الان الى الجامعة لالقى الحرس القبض عليه ليعذب او يقتل.
وبدلا من الذهاب الى الجامعة قرر الانضمام للجيش الحر حيث يعمل الان تحت امرة استاذ الفقه والشريعة ابو احمد الذي يقول ان الاسلام هو الطريق للخلاص من العدو المصمم والشرير. ويقول ان تهمة التشدد يستخدمها النظام كي يصف المقاتلين بالارهابيين ولكن المقاتلين على طول الطريق من ادلب ينفون وجود المتشددين بينهم. ولكن مقاتلي حلب يقولون انه في غياب السلاح والمواد الرئيسية فانهم قد يقبلون العون من اية جهة، واضافة الى ذلك قاموا بتطوير اساليبهم من خلال زرع القنابل المصنعة محليا في الطرق التي تمر عليها دبابات النظام.
متى سيصل السلاح؟
ويقول مراسل الصحيفة ان المناطق القريبة من تركيا تحولت الى خلية نحل من النشاطات سواء حركة اللاجئين الى تركيا او تهريب الاسلحة عبرها، ويشكو قادة من قلة السلاح المتوفر لديهم حيث يقولون انهم لا يحصلون الا على بندقية وكمية من الذخائر، كل هذا على الرغم من التقارير التي قالت ان اموال السعودية وقطر وفرت السلاح للمقاتلين.
وفي تقرير اعدته رولا خلف لـ 'واشنطن بوست' جاء فيه ان هناك بطئا في وصول الشحنات للمقاتلين.
ونقلت عن ناشطين قولهم ان الاسابيع الاخيرة شهدت بطئا في نقلها والذي يرون انه قد يكون مؤقتا او نابعا من مخاوف عسكرة الازمة. وهناك من يقول انه مرتبط بحظر تركيا مرور الاسلحة بعد قيام الجيش السوري باسقاط طائرة تركية الشهر الماضي. وقالوا ان لقاءات تعقد مع الجانب التركي لحل المشكلة. فيما قال ناشط اخر يعمل في فصيل تابع للجيش الحر ان تراجع نقل الاسلحة والدعم المالي يعود الى محاولات اعطاء الدبلوماسية فرصة وتوقع ان تقوم روسيا ايضا بخفض ارسال الاسلحة للاسد. وحتى الآن رفضت كل من قطر والسعودية تأكيد تسليحهما للمعارضة فيما نفت تركيا تعاونها في نقل الاسلحة لهم. وقامت السعودية بمنع اية نشاطات خارج الاطار الرسمي لجمع التبرعات لدعم الجهاد في سورية خشية ان تصل الاموال للجهاديين.
وكانت تقارير قد اقترحت ان زيادة كفاءة المقاتلين في الداخل لها علاقة بوصول اسلحة جديدة ونوعية لهم، ويخشى الان ان تضعف هذه الفاعلية بتراجع الدعم العسكري من الخارج. من جهة اخرى يؤكد المقاتلون ان الاسلحة التي وصلت اليهم قليلة ولا تكفي لتغطية مساحة من الكيلومترات القليلة ويعترفون ان احدا من الخارج ليس مستعدا لمساعدتهم ولهذا عليهم الاعتماد على انفسهم لقلب ميزان القوى.
بنوك لبنانية متهمة:
في تقرير آخر قال روبرت فيسك ان مصارف لبنانية متهمة بتحولها الى خزينة لغسيل الاموال السورية وذلك حسب ما نقلته مصادر متعددة لصحيفة 'وول ستريت جورنال' الامريكية اضافة لناشطين معادين لايران، حيث اصبحت المصارف اللبنانية ومنها البنك المركزي اللبناني مراكز لايداع الاموال في حسابات سرية للجماعات ذات العلاقة مع ايران وحزب الله. ويقول ان هذا على الاقل ما تزعمه 'الجماعة المتحدة ضد ايران النووية'.
واشار الى نفي رياض سلامة مدير المصرف المركزي اللبناني لكل هذه الاتهامات. ويناقش فيسك العلاقة المالية بين سورية ولبنان حيث يقول ان الجميع يعرف ان الايداعات السورية في لبنان قبل الثورة كانت تمثل نسبة كبيرة.
ويرى فيسك ان اتهامات امريكا للبنان ليست الا ايمانا بنظرية المؤامرة لمنع المصارف اللبنانية من التعامل مع البنوك الامريكية على الرغم من ان ثمانية مصارف لبنانية من الف مصرف مذكورة في القائمة الامريكية ذات الاستقرار المالي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق